في ظل الرفض الإسرائيلي للدعوات الدولية الداعية لإيقاف الاستيطان، وفي ظل تصاعد وتيرة الحملة الاستيطانية المسعورة لبناء مستوطنات في القدس الشريف، كما هو حاصل مؤخراً في مستوطنة غيلو التي سيتم فيها بناء 900 وحدة استيطانية جديدة، وفي مستوطنة "نوف تصيون" ومشروع بناء ثلاثة أحياء إضافية في جبل المكبر تدعى نوف تصيون "ب"، "ج"، "د"، فإنّ مستقبل القدس في خطر ومستقبل المواطن المقدسي في خطر، فما تقوم به إسرائيل في مدينة القدس وأحياء البلدة القديمة من سياسات هدم بيوت، واستيلاء على أخرى، وطرد سكانها في وضح النهار، والاستيطان في جميع أرجاء القدس، حتى داخل البلدة القديمة التي أصبح عدد المستوطنين فيها نحو ألف مستوطن، وهذا لا يشمل عدد المستوطنين داخل ما يسمى الحي اليهودي، وهو حي الشرف التي استولت عليه إسرائيل بالقوة عام 1967 وقامت بطرد أهله وترحيلهم وإسكان اليهود مكانهم؛ إن ما يحدث في القدس هو سياسة تطهير عرقيّ بكل ما في الكلمة من معنى، فالتطهير العرقيّ في القدس طال البشر والحجر، حيث يتزامن طرد البشر مع تدمير المشهد الإسلامي والعربي في مدينة القدس الشريف.
فإسرائيل تخطط لتفريغ مدينة القدس من السكان الفلسطينيين من أجل جعلها مدينة يهودية خالصة، وقد استخدمت إسرائيل ولا زالت عدة وسائلَ من أجل تحقيق هذا الهدف منها:
1- الجدار العازل: الذي أخرج ما يزيد على 270 ألف مواطن مقدسي وصادر ما يزيد على 20% من أراضي الضفة الغربية، مع العلم أنّ إسرائيل منذ احتلالها لمدينة القدس قامت بمضاعفة مساحة المدينة ثلاثة أضعاف عن طريق ضم أراض من الضفة الغربية تابعة لـ 28 بلدة فلسطينية ومنها بيت لحم وبيت جالا.
2- إسرائيل تقوم بموجب قانون أملاك الغائبين بالسيطرة على أراض ومنازلَ داخل البلدة القديمة والقدس الشرقية.
3- إسرائيل تقوم بطرد المواطنين المقدسيين من بيوتهم التي بنَوْها قبل قيام الدولة بحجة عدم الترخيص، مع العلم أن القدس هي مدينة محتلة ولا يجوز أن يطبق القانون الإسرائيلي عليها.
4- إسرائيل تقوم بمنع لمّ الشمل داخل مدينة القدس.
5- إسرائيل تقوم بحرمان المواطن المقدسي من فرص عمل، وتفرض عليه ضرائب وغرامات باهظة لا تتلاءم مع ظروف معيشته، وذلك بهدف إجباره على الرحيل.
أمّا فيما يتعلق بتدمير المشهد الفلسطيني، فإسرائيل قامت بتغيير أسماء الأماكن والشوارع داخل مدينة القدس والبلدة القديمة، واستهدفت حتى أرصفة وجدران البلدة القديمة، وقامت بتغيير الحجارة الأثرية التي تدل على الوجود العربي والإسلامي داخل المدينة. وإسرائيل تقوم أيضا بحفر الأنفاق أسفل البلدة القديمة والأحياء المقدسية، وتقوم أيضا باستهداف المقدسات الإسلامية وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك المستهدف، من جميع الجهات، من أسفله ومن فوقه، فلم تبقَ زاوية في المسجد الأقصى المبارك لم يستهدفها الاحتلال الإسرائيلي، فالبوابات محاصرة بشرطة الاحتلال والساحات مدنسة بدخول المستوطنين والكاسيات العاريات إليها، أما أسفل المسجد ومحيطه فمستهدف بالحفريات التي تقوم بها المؤسسة الاحتلالية الإسرائيلية، هذا ناهيك عن استهداف أسفل الأقصى ومحيطه والأحياء العربية ببناء الكنس اليهودية، كل ذلك من أجل تدمير المشهد العربي والإسلامي لمدينة القدس وتحويلها إلى مدينة يهودية خالصة لليهود.
إن الحملة المسعورة التي يشنّها الاحتلال الإسرائيلي على مدينة القدس تشارك بها جهات دولية كبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا، فالجانب الأمريكي والبريطاني قد توصل إلى تفاهمات مع الجانب الإسرائيلي حول موضوع إيقاف الاستيطان، بحيث أن المطلب الأوروبي-الأمريكي يجب أن لا يشمل مدينة القدس بشطريها. أما الجانب الفرنسي على لسان وزير الخارجية "كوشنير" فلا يرى أن الاستيطان في القدس يشكل عقبة أمام عملية السلام.
وعليه فإنه من المتوقع أنْ تصعِّد إسرائيل من هجماتها المسعورة على القدس والمسجد الأقصى في ظل وجود هذا التواطؤ الدولي والصمت العربي، فإسرائيل عازمة على فرض سياسة الأمر الواقع داخل مدينة القدس حتى لا يبقى شيء يتم التفاوض عليه في ما يسمى بمفاوضات الحل النهائي.