ذكريات مازالت حية
النكبة أيام مليئة بالحزن لا يمكن نسيانها على مر الزمان
خاص – دائرة شؤون اللاجئين – هبة كريزم
خطوط الزمن التي رسمت على ملامح وجهها ، هي من ابرز المعالم الفلسطينية الدقيقة ، خطوط زمنية تعبر عن المعاناة والحنين إلى الوطن في وقت واحد ، مازالت تذكر تلك الأيام بحلوها ومرها ، مازالت تذكر شبابها في القرية الصغيرة التي كانت تحتويها بين جنباتها ، فكلما تريد الشعور باللذة والسعادة تعود للخلف عبر رحلة ذكريات مليئة بالحب والدفء ، تثبت ذاكرتها عند البيت والحقل والمزرعة ، وفجأة تصدم مما جرى قصف ، حرق منازل ، وموت العديد من الأعزاء ، وفى النهاية الرحيل من القرية وتركها لليهود الصهاينة ليتمتعوا بخيراتها ، تتشرد هي وتاويها الخيام وتنتظر دورها لأخذ نصيبها من الطعام ، بعد أن كانت تتمتع بكل هذه الخيرات في قريتها الصغيرة ، لا تنتظر حسنة من احد ، أنها الحاجة أمنة محمد البردويل " 75 عاما " والتي ترجعنا وإياها بالذاكرة إلى قرية " جورة عسقلان" لتحدثنا عن " أيام البلاد " مثل ما يقول عنها أجدادنا :
المشاركة في الأفراح والأحزان
ذكرت الحاجة أم محمد أن ذاكرتها مليئة بالذكريات الجميلة عن بلدتها الأصلية ، فعندما عرضنا عليها التحدث عنها ملامح الفرح بدأت واضحة في عينيها لقد كنا نمتلك ارض زراعية نزرعها بالقمح والذرة والخضار والحمضيات ، فقد كنت الوحيدة لوالدي والمدللة دائما ، فلم أكن افعل شيئا في الأرض إلا اننى كنت أجيد حياكة شبكات الخرز للسيدات والطواقى الصوف للرجال ، وتعود لتحدثنا عن العرس الفلسطيني بكل عاداته وطقوسه الجميلة فتقول أن العروس ترتدي يوم زفافها ثوب يسمى الأطلس( ثوب تقليدي مطرز ) ، وتضع على رأسها ليرات ذهبية ( شطوات ) ، وتقوم النسوة بوضع نقش الحنة على يديها ورجليها ويزينون وجهها بالورق الملون اللامع ، وبعد ذلك تركب العروس الفرس ورجال عشيرتها خلفها يمشون والنسوة يغنين لها اغانى الأعراس ، والعريس يمسك بلجام الفرس ويسحبها خلفه إلى منزله ، ويكون وجه العروس مغطى بالبرقع وتضع سيف حاد بين عينيها ، ومن قبل مراسم الزفاف يكون جهاز العروس في بيت العريس قبل وقت ويتكون من ( ملابس ، فرشات ، مخدات ، وصندوق خشب يحتوى على مستلزمات العروس من مناديل وفساتين ........ الخ ) وعند بيت العريس ينزلها العريس عن الفرس ويحملها ويضعها في وسط منزله.
أما عائلة العريس فيحتفلون بالعرس لمدة أسبوع كامل ، ويطبخون الأطعمة المختلفة ومن أشهر أكلات الأعراس أكلة قمر الدين ومكوناتها ( 10 ألواح كبيرة من قمر الدين ، فلفل اسمر ، قرفة ، سكر ) والسلطة الخضراء والجبجب الذي يقدم للمعازيم خلال مراسم الزفاف .
وفى يوم الصباحية يأتون أهل العروس إلى منزل زوجها يحملون صينية مليئة بالرز واللحمة ، والنساء يغنون لها :
يا منسف الريان ومرقد لحم خرفان
في الصباحية يطبخون
وتضيف الحاجة أم محمد أن في قريتهم يقع مقام الحسين الذي كان يزوره العديد من السكان في القرى الأخرى مثل ( بربرة ، برير ، الجية ،جولس ، وكل الفلاحين ) يأتون بنذرهم إذا ربنا سبحانه وتعالى رزقهم بذكر ، لمطاهرته في مقام الحسين ، يأتون بالزفة والدبكة الشهيرة لمطاهرت الذكر ، ويطبخون الجريشة و يذبحون الذبائح والتي كانت تكفى لكل اهالى القرية .
أما في العزاء أو حدوث مكروه فتوضح الحاجة أم محمد أنه لا يتبقى فرد في القرية إلا ويشارك أهل المكروه الحزن والأسى ، فتتوقف مراسم الاحتفال بكل أنواعها حفاظا على مشاعر العائلات .
هجرة أهل القرية
تروى أم محمد أحداث الهجرة وكأنها مازالت ماثلة أمامها ، لقد دخل اليهود القرية وقاموا بحرق منازلنا أراضينا ، وقتل أولادنا ، وقصفنا بالمدفعية مما أدى إلى استشهاد الكثير من العائلات ، فمات من مات والأحياء هربوا من القرية مشيا على الأقدام إلى أن وصلوا غزة المليئة بالغابات في ذلك الوقت ، حيث كان سكانها قليلون جدا بسبب هذه الغابات ، وكنت آن ذاك ابلغ من العمر الخامسة عشر عاما لم أرى في حياتي مثل صعوبة هذه الأيام ، هربنا ولا ندرى إلى أين سنذهب ، كل قرية نتوقف فيها تتبعنا قوات الهجاناة المسلحة وتهجرنا من جديد مع القرية الجديدة ، إلى أن وصل فينا المطاف إلى غزة ، كنت أنا ووالدتي فقد كان والدي من الثوار يحارب اليهود .
فمشينا من الجورة إلى غزة وعندما وصلنا إلى شاطئ بحر غزة وقعت فيه وانا احمل طنجرة يوجد فيها طحين جلبته معي من القرية .
وصلنا إلى منطقة الفرفارة والتي تقع في منطقة الشيخ عجلين ، فعبرنا الغابات والأحراش وتمركزنا تحت الأشجار فيها ليلا ، ومن شدة البرد ومع سقوط المطر الكثيف قضينا ليلة صعبة للغاية .
وفى اليوم التالي وجدنا والدي في الغابة ، فقام بالاتصال بأحد أصدقائه ليأوينا في منزله لكنه في البداية رفض وبعد إصرار والدي وافق ، فذهبنا إلى المنزل وسكنا فيه وبعد يومين لحقتنا إحدى قريباتي ومعها ابنها متوفى بين يديها من شدة المطر ، فقالت لنا اسكنونى عندكم ، فقلنا لها تعالى ولكن صاحب المنزل لم يوافق عليها.
فذهبت هي ومعها عائلات أخرى وحفروا مأوى لهم، فجاء عائلة أخرى وقالوا نريد أن نسكن بجانبكم ، فقالوا لهم اجلسوا في فرن يخبزون فيه خبز "مكبكب" وكان لهذه العائلة ثلاثة أطفال فأصبهم مرض الحصبة وماتوا في الفرن ، بقى لدى العائلة ثلاث بنات والجوع كان مسيطر على جميع من هاجر، فصرت أنا اخبز على اتفاق أن يعطى أصحاب المنزل المهاجرين من هذا الخبز وإطعامه للأطفال وعائلاتهم بمعدل ثلاثة أرغفة كل يوم .
ومع مرور الزمن توطدت العلاقات الاجتماعية بيننا كعائلات فلسطينية موحدة ، نخرج مع بعضنا لجمع الحطب للفرن و نطبخ معا ، إلى أن قالوا إن محمد نجيب سيسلم منازل للمهاجرين ليسكنوها ،وتسمى بمنازل " الثمانيات" كما كان يطلق عليها في ذلك الوقت ، وقام أيضا بتوزيع "ذرة إفرنجية " ليطحنوها ويخبزوها سدا لجوعنا كما وكانت وكالة الغوث توزع علينا المساعدات مثل ( الطحين –السكر –التمر).
فسكنا في منطقة بعيدة نوعا ولكن بعد لك قمنا بتبديل المنزل مع عائلة أخرى وسكنا في معسكر الشاطئ إلى هذه اللحظة .
صيد السمك
كنت انزل مع والدي لصيد السمك من البحر لاننى وحيدة لوالدي ، فكنت من يعاونه فى رمى الشباك ولمها وصف السمك في الفرش الخاص له ، وكنت أخيط شباك الصيد للعائلات الغزوية مثل (عائلة أبو حصيرة وعائلة بكر ) فكنا نغنى لسمك السردين فنقول :
ياسردينة محلاكى في القلاية ماازكاكى
وعلى العريش الحقناكى وصدنا منك بالقناطير
والسردين راح على بلادوا راح يكلم اولادوا
امتى يجى معادوا ونصيد منو بالقناطير
وبهذه الأشعار الجميلة أنهت الحاجة أم محمد البردويل ذكرياتها حول قريتها الصغيرة وهجرتها منها ، على أمل العودة لها وفى عينها الشوق والحنين لتراب أرضها .